اقرأ

الرحمة المهداة | مشروع حفظ القرآن الكريم

بقلم: زينب مصطفى

في ليلةٍ مُبارَكَةٍ، كانتِ الإنسانيةُ على مَوْعِدٍ لاكتمالِ رُشْدِها، وبلوغِ نُضْجِها، حين تلقَّتِ الكلمةَ المعجزةَ … اِقْـرَأْ.

في الغارِ يتردَّدُ صداها، “اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّـكَ الَّذِي خَلَقَ“.

يَتَنَزَّلُ بِها المَلَكُ فيُشْرِقُ النورَ، ويعمُّ الغارَ ضياءٌ يحمِلُ في ثَناياهُ الهُدَى، وثَمَّةَ روحٌ جديدةٌ تُبَشِّرُ بحياةٍ فيها مِنَ الخَيْرِ والاختلافِ ما لم يعهدْهُ أهلُ الأرضِ.

وتبدأُ رحلةُ التغييرِ باتصالِ السماءِ بالأرضِ، بكلمةِ اِقْـرَأْ.

كلمةُ “اقـرأْ“ هي الكلمةُ التي تحمِلُ مُقَوِّماتِ الحياةِ الكاملةِ، وتتكاملُ القراءةُ والقلمُ ليُكَوِّنا مفاتيحَ العِلْمِ والتعلُّمِ والتعليمِ. فالقراءةُ نافذةٌ رحبةٌ يُشْرِفُ منها العقلُ على عالَمِ المعرفةِ الشاسِعِ، فيَنمو وتَتَّسِعَ آفاقُ فهمِهِ، فيُلْهَمَ العقلُ البصيرةَ. وبالقراءةِ تَسمو النفسُ إلى معالي التهذيبِ والوَعيِ، فتتدفَّق فيها ينابيعُ الإبداعِ تدفُّـقًا يُثْمِرُ ألوانًا من العلومِ والفنونِ، هي ركيزةُ بناءِ الحضاراتِ المِعطاءةِ الزاهرةِ.

والقراءةُ هي السبيلُ لبِناءِ إنسانٍ تتحقَّقُ فيه معاني الإنسانيةِ في أرقَى تَأَلُّقِها.

كانتِ القراءةُ دائمًا محلَّ اهتمامِ الأُدَباءِ والمُفَكِّرين، فيُنَبِّهُ الأديبُ الراحلُ مصطفَى صادق الرافعي إلى أهميةِ أنْ يَكونَ لدَى القارئِ هدفٌ لما يقرأُ، فيقولُ: “لِيَكُنْ هدفُكَ مِنَ القراءةِ اكتسابَ قريحةٍ مستقلةٍ، وفِكْرٍ واسعٍ، ومَلَكَةٍ تُثْري قُدرتَكَ على الابتكارِ”.

بينما يقولُ آخَرُ: “لا أعلمُ أنَّ شيئًا جَدَّدَ روحي وأَيْقَظَ مشاعِري، وجعلَ لحياتي معنًى إلّا القراءةَ”.

وللأستاذِ العقّادِ مقولةٌ شهيرةٌ هِيَ: “أَقْـرَأُ لأنَّ حياةً واحدةً لا تكفيني”. وحقًّا فإنَّ القراءةَ تُضيفُ لعقلِ القارئِ وروحِهِ أبعادًا أكثرَ عُمْقًا وسِعَةً هِيَ ثمرةُ السياحةِ في عقولِ الآخَرين.

لم يقتصِرْ الاهتمامُ بالقراءةِ على الأُدَباءِ، بل كانتْ ومازالت القراءةُ مَيْدانَ بحثِ العُلَماءِ المُخْتَصّونَ بدِراسةِ طِبِّ النفسِ والأعصابِ والجَسَدِ، فتعدَّدَتْ أبحاثُهُم لتَحديدِ ماهيةِ القراءةِ وفوائدِها وآثارِها الصحيةِ والاجتماعيةِ.

يُعَرِّفُ علماءُ الأعصابِ القراءةَ بأنَّها “تلكَ العمليةَ الذهنيةَ الإدراكيةَ التي يتِمُّ فيها استخدامُ المُخِّ للتَّعَرُّفِ على الحروفِ الهجائيةِ وربطِها ببعضِها البعض لتُكَوِّنَ كَلِمَةً، ثم يبدأُ المخُّ في استيعابِها، ثم الربطِ بين الكلماتِ والجُمَلِ، ثم يُخَزِّنُها في الذاكِرَةِ، ويستدعيها عندَ الحاجةِ، ليَحْدُثَ التكامُلُ بين ما يقرأُ الإنسانُ حديثًا وقديمًا”.

أثبتَتِ التجاربُ الطبيَّةُ المعمليةُ أنَّ القراءةَ بعُمْقٍ تُؤَدّي إلى تغييرٍ في الخلايا العصبيةِ في المُخِّ، مِمّا يُعَزِّزُ المراكِزَ العصبيةَ للذاكرةِ والاستيعابِ والتركيزِ.

تكادُ لا تنتهي أبحاثُ العُلَماءِ في رَصْدِ فائدةِ القراءةِ وأَثَرِها على صحةِ القارئِ وحياتِهِ الاجتماعيةِ، فأثْبَتوا الصِّلَةَ الوَثيقةَ بين القراءةِ والحِمايةِ من بعضِ الأمراضِ؛ ففي بَحْثٍ أجرتْهُ جامعاتٌ عِدَّةٌ، تبيَّنَ أنَّ الأشخاصَ المُهتمّين بالقراءةِ والذين يشغلون عقولَهُم بأنشطةٍ فكريَّةٍ، أقَلُّ عُرْضَةً، مِن غَيْرِهم الذين لا يقرأون، للإصابةِ بمرضِ خَرَفِ الشيخوخةِ (الزهايمر) بنسبةٍ قد تصلُ إلى 30%، وذلك لِما للقراءةِ مِن أثَرٍ في تحفيزٍ المراكِزِ العصبيةِ المسؤولةِ عنِ الذاكِرَةِ.

مِنَ الفوائدِ الصحيةِ الأُخْرَى للقراءةِ أنَّها تُقَلِّلُ مِن حِدَّةِ الاكتئابِ؛ حيثُ تستدعي القراءةُ العميقةُ تركيزَ القارِئَ فيما يقرأُ، مِمّا يُحَفِّزُ المُوَصِّلاتِ العصبيةَ في المخِّ، ويكونُ لها أثرٌ إيجابِيٌّ على المريضِ.

وأثبتتْ دراسةٌ أجرتْها جامعةُ ساسيكس ببريطانيا عامَ ٢٠٠٩ أنَّ القراءةَ لمدةِ ٣٠ دقيقةً يَوْمِيًّا تجعلُ نَبَضاتِ القلبِ في مُعَدَّلاتِها الطبيعيةِ، وتُقَلِّلُ من التَّوَتُّرِ بنسبةٍ قد تصلُ إلى ٦٨%.

وكذلكَ بَيَّنَتِ الدراساتُ ما للقراءةِ مِن تأثيرٍ في تحسينِ نَوْعِيَّةِ النَّوْمِ والاستغراقِ فيهِ بعُمْقٍ.

من الأبحاثِ المهمةِ ما أجرتْهُ جامعةُ ييل الأمريكيةُ مِن دراسةٍ في عامِ ٢٠١٦ لبَيانِ أثرِ القراءةِ على عَيِّنَةٍ مِنَ الرجالِ والنساءِ، بلغَ عددُهُم ٣٦٠٠ مِمَّنْ تجاوَزوا سِنَّ الخَمسينَ عامًا ويقرأون كُتُبًا بِتَعَمُّقٍ وبصفةٍ يوميةٍ. استغرقَتِ الدراسةُ ١٢ عامًا لِتُثْبِتَ أنَّ هؤلاءِ القُرّاءَ عاشوا حياةً أفضلَ وعمرًا أطولَ من آخَرينَ في نفسِ ظروفِهِم وأعمارِهِم، لكنَّهُم لا يقرأون.

على عكسِ مُشاهدةِ التِّـلْفازِ أو مُطالعةِ الصحفِ والمجلاتِ، فإنَّ للقراءةِ المُتَعَمِّقَةِ للكتبِ مزايا أُخْرَى غايةٌ في الأهميةِ، منها اكتسابُ المخِّ لمَهاراتٍ نقديَّةٍ وتحليليةٍ، تجعلُ الإنسانَ القارِئَ أكثرَ تَفَهُّمًا للمَواقفِ، وأقدرَ على التعامُلِ مع المُشكلاتِ واكتشافِ الحلول. ويمتازُ قُـرّاءُ الكتبِ الأدبيةِ والشِّعْـرِ بمهاراتِ الذكاءِ العاطفيِّ والاجتماعيِّ والقُدْرَةِ على فَهْمِ مشاعِرِ الآخَرين، مِمّا يجعلُهُم أكثرَ تَعاطُفًا، وأقربَ لِبِناءِ علاقاتٍ اجتماعيةٍ أكثرَ سَلاسَةً واستقرارًا.

في دراسةٍ أجراها مركزُ الأبحاثِ هاسكنز في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ، أفادَتِ الدراسةُ أنَّ الأشخاصَ الذين يقرأون نصوصًا روحيةً (كُتُبًا مقدَّسةً) يُحَقِّقونَ مُعَدَّلاتٍ عاليةٍ من السَّكينةِ النفسيةِ.

لا تنقضي عجائبُ القراءةِ ولا مزاياها، فمِن هَداياها صَقْلُ اللِّسانِ والقَلَمِ، وإثْراءُ الحَصيلةِ اللُّغَوِيَّةِ، مِمّا يُثْمِرُ مهاراتٍ إبداعيةٍ في الكتابةِ.

فضلاً عن ذلك؛ فإنَّ القراءةَ استِلْهامٌ لدروسِ الماضي، واستشرافٌ لآمالِ المستقبلِ. القراءةُ دعوةٌ لتَأَلُّقِ الفِكْرِ، ولإعمارِ الأرضِ، والتحليقِ في آفاقِ الفَهْمِ والعَطاءِ.

مِنَ المُفيدِ أنْ يهتمَّ الإنسانُ بنَوْعِيَّةِ ما يقرأُ مِن كتبٍ، فالمفكِّرُ الأنْدَلُسِيُّ الشهيرُ ابنُ حَزْمٍ يُحَذِّرُ قائلاً: “مِنَ الكُتُبِ ما يُمْرِضُ ويُسَبِّبُ العَطَبَ”.

أمّا المفكِّرُ جون لوك، فيَدعـو إلى الفَهْمِ والتفكيرِ، فيقول: “القراءةُ تُزَوِّدُ عُقولَنا بمَوادٍّ المعرفةِ، والتفكيرُ هو الذي يجعلُنا نملكُ ما نقرأُ”.

إنَّ “اقْـرَأْ“ هِيَ مِفتاحُ العِلْمِ، وأحَدُ أسبابِ عمارةِ الأرضِ والتحليقِ في آفاقِ الفَهْمِ والعَطاءِ.

يا بَني الإنْسانِ اِقْـرَأْ
… فإنَّ القراءةَ عِبادَةٌ وسعادةٌ.

ary
ar ary