ذكريات في رمضان

الرحمة المهداة | مشروع حفظ القرآن الكريم

بقلم: زينب مصطفى

يأتي شهرُ رمضانَ كُلَّ عامٍ بألوانٍ مِنَ البهجةِ وفَيْضٍ مِنَ الفرحِ، تلوَّنت الفرحةُ برمضانَ في كُلِّ مرحلةٍ من مراحلِ العمرِ بِلَوْنٍ مُمَيَّزٍ من البهجةِ، جعلتْ جُعْبَةَ الذكرياتِ تمتلِئُ بألوانٍ منها عديدةٍ.

كثيرةٌ هي الذكرياتُ الرمضانيةُ التي تَحْضُرني عبرَ رحلتي مع السنواتِ، غيرَ أنَّ أبهجَها، وأشدَّها تَأَلُّـقًا، تلكَ الفرحةُ البِكرُ برمضانَ في أيامِ الطفولةِ، فما زالتْ مُضيئةً في ذاكرةِ القلبِ والوجدانِ.

كانت الاستعداداتُ لرمضانَ تبدأُ مُبَكِّرًا قبلَ حلولِهِ بوقتٍ طويلٍ، لكن وَتيرةَ الاستعداداتِ تُسْرِعُ في شهرِ شعبانَ، فتستعدّ العائلةُ للاحتفاءِ بطقوسٍ عـدّة، بعضها لم نفهمْهُ، نحنُ الصغارَ في حينِها، وإن كنا لم نحرِم أنفُسَنا مِنَ المُشاركةِ فيها، فنكتفي بفرحةِ لقاءِنا معًا.

من هذه الطقوسِ “الشَّعْبَنَةُ” (مشتقة من شعبان) وتتمثَّلُ في اجتماعِ جدَّتي وبناتِها وسيِّداتِ العائلةِ لِتناوُلِ الأسماكِ المُمَلَّحَةِ قُبَيْلَ بدايةِ رمضان. فهِمْتُ بعد ذلك، أنَّهُ وَداعٌ مُؤَقَّـتٌ لِتَناولِ الأسماكِ، حيثُ لا تتناولُها العائلةُ في رمضانَ، وتعودُ لِتناوُلِها في أيامِ عيدِ الفِطْرِ بأنواعِها كافَّةً.

أمّا الأمرُ الذي كنّا ننتظِرُهُ ونتحرَّى لقاءَه، فهو (المسحراتي)، فقد كنا نظنُّهُ كائنًا أُسطورِيًّا كشخصياتِ الحكاياتِ، فكانتْ رُؤْيَتُهُ كأنَّها حلمٌ يتحقَّقُ.

يمرُّ المسحراتي ببيوتِ الحَيِّ، غالبًا في النِّصفِ الثاني من شعبانَ، يطرُقُ كُلَّ الأبوابِ ويقرعُ طبلتَهُ الصغيرةَ المستديرةَ، حامِلاً سجلّاتِهِ العتيقةِ ليُدَوِّنَ أسماءَ أهلِ كُلِّ بَيْتٍ، ويُضيفُ إليها ما استجدَّ من مواليد. وكم كنا نسعدُ برؤيةِ أسمائنا مُدَوَّنَة، ونترقَّبُ أن نسمعَها في نداءاتِه المَسجوعةِ، والتي تستحِـقُّ الدراسةَ، فكم كانتْ تحملُ مِن قِيَمٍ أصيلةٍ، يَشدو بها في ليالي رمضان.

كانَ ظهورُ المسحراتي في شعبانَ يَعني أنَّ رمضانَ على الأبوابِ، فتشتدُّ الإثارةُ والترقُّبُ لاستقبالِ موسِم الأعياد، فقد كنا نعتبرُ أنَّ كلَّ يَوْمٍ مِن أيامِ رمضانَ هو عيدٌ في ذاتِه. ظللتُ أفرحُ بلِقاءِ المسحراتي، حتَّى بعدَ أنْ صِرْتُ جَدَّةً، وحرصتُ على تسجيلِ أسماءِ الأحفادِ جميعًا في سجلِّ المسحراتي العتيق.

ظهورُ المسحراتي، يعقُبُهُ طقوسُ شِراءِ الفوانيس، ويصيرُ الإلحاحُ الشديدُ في طلبِها مِنَ الوالِدِ، رَحِمَهُ اللهُ، أمرًا يدفعُهُ إلى الإسراعِ في إحضارِها لكلِّ أطفالِ العائلةِ، وأيضًا لبعضِ الأطفالِ الأصدقاءِ. ويبيتُ كلُّ طفلٍ ليلةَ رمضانَ الأولَى وقدِ احتضنَ صديقَهُ الجديدَ.. فانوسَ رمضان.

أحببتُ الفانوسَ التقليديَّ بزجاجِهِ المُلَوَّنِ وشموعِهِ المُضيئةِ الجميلةِ.. ثم عاصرتُ تطوُّرَهُ إلى فانوسٍ كهرُبائيٍّ يُضاءُ كمِصباحٍ بِلا روحٍ.. إلى آخِرِ أشكالِهِ الحديثةِ. ويظلُّ للفانوسِ التقليديِّ العتيقِ سِحْرُهُ وجمالُه.

أما الاستعدادُ الأكبرُ لنساءِ العائلةِ جميعًا، فكانَ بتجهيزِ خَزينِ رمضان، فكم امتلأتِ البيوتُ بالخيراتِ، غيرَ أنَّ أشياءَ مُمَيَّزَةً مازالتْ عالقةً بِذهني، منها “مَقْطَف” أو “جوال” المكسراتِ الضخمِ الذي يحتوي على كلِّ أنواعِها، والفواكِه المُجفَّفة، خاصةً شرائحَ قَـمَرِ الدّينِ الذي يحبُّه الصغارُ كثيرًا، ويُفَضِّلونَ تناوُلَها جافَّةً، وصفائح السمنِ، و”أجولة” الدقيقِ لزومِ كعكِ العيدِ، وهدية كنا نتلقّاها من أحدِ أصدقاءِ أبي؛ إناءٌ ضخمٌ جدًّا – أو هكذا رأيناهُ ونحنُ صغار – مِنَ المُخَلَّلاتِ الشهية. كثيرٌ من الطقوسِ لم تتخلَّفْ الأُسَرُ أبدًا عن مُراعاتِها في رمضان.

كانت أيامُ رمضانَ كلُّها أعيادًا؛ موائدَ عامرةً وولائمَ دائمةً.. ولا يمكنُ أنْ يَمُرَّ يومٌ بِبَيْتٍ مِنَ البيوتِ في رمضانَ دونَ شتَّى الحلوياتِ مِن كنافةٍ وقطائفٍ وخُشافٍ (منقوع الفواكه المجففة مع اللَّوْزِ).. ويندُرُ أنْ يخلُوَ يومٌ من أيامِ رمضانَ مِن دعوةٍ للأقاربِ والأصدقاءِ، يتبادلونها طولَ الشهر.

كانَ المجتمعُ في ذلكَ الحينِ يحتفلُ برمضانَ احتفالاً هو تطبيقٌ حرفيٌّ للمثلِ الشعبيِّ القائلِ: “عشرة مَرَق، وعشرة خَلَق، وعشرة حَلَق”.. والمثلُ يعني أنَّ الناسَ تهتمُّ في العشرِ الأولَى من رمضانَ بالمَرَقِ، أي بالولائمِ والطعامِ. وفي العشرِ الثانية، تهتمُّ بالخِرَق (الخَلَق)، أي بإعدادِ ملابسِ العيدِ.. والعشرِ الأخيرةِ “حَلَق” وترمُزُ للكعكِ الذي يحرصُ الناسُ جميعًا على صنعه في البيوتِ؛ حتى تصيرُ رائحةُ الشوارعِ والطُّرُقاتِ تفوحُ برائحتِه الزكية.

كانت بهجتُنا كأطفالٍ بتجمُّعِ جدّتي وخالاتي لعَـمَلِ الكعكِ لا تقِلُّ عن فرحةِ العيد، وكانتْ أيامُ عملِ الكعكِ في الأسبوعِ الأخيرِ يعقُبُها حملةُ تنظيفٍ وتجميلٍ للبيتِ، وفرشه بكلِّ جديد.

لا أنسَى طقوسَ الإفطارِ، وتلك الدقائقِ الأخيرةِ قبلَ أنْ ينطلقَ مدفعُ الإفطارِ.. كم كانت طويلةً علينا.

يتردَّدُ في وجداني ذلكَ الصوتُ النَّدِيُّ الخاشِعُ للشيخِ محمد رفعت، يُرَدِّدُ آذانَ المغربِ؛ فقبلَ أنْ أعِيَ أيةَ معانٍ وجدانيةٍ، كنتُ أشعرُ بحنانِ الكلِماتِ الكريمةِ يُدْفِئُ قلبي.. وحتى الآن.. كلما سمعتُ صوتَهُ الملائِكِيَّ، يحمِلُني فورًا لآفاقِ رمضان.

وينطَلِقُ مِدفعُ الإفطارِ في الإسكندريةِ، فيُسرع الصغارُ لما أعدوهُ مِن حلوَى اشتهتْها أنفسُهُم أثناءَ الصيامِ. نتحلَّقُ حولَ المائدةِ في ترتيبٍ لا يختلُّ أبدًا في رمضانَ أو غيرِه.

يُصاحِبُنا على مائدةِ الإفطارِ ذلكَ المسلسلُ الخالدُ “ألف ليلة وليلة”.. كم أخذتْني موسيقاهُ وحَكاياهُ الخياليةُ إلى عالَمٍ مَليءٍ بالرهبةِ والإثارةِ والبهجةِ معًا. أما الفوازيرُ فقد شهدتُ تطوُّرَها، كما تطوَّرَ وتغيَّرَ الفانوسُ، فكانتْ لها رسالةٌ تثقيفيةٌ وترفيهيةٌ معًا.. فصارَتْ رِسالتُها ترفيهيةً فقط.

لا ينقطِعُ سَيْلُ الذكرياتِ في رمضانَ، لكنّي أفخرُ بما كانَ يسودُ المجتمعَ في ذلك الحينِ مِن تآلُفٍ حقيقيٍّ؛ فقد كانَ أصدقاؤنا من أطفالِ الجيرانِ المسيحيين يُفْطِرونَ معنا، وبعضُهُم يُجَرِّبُ أنْ يصومَ، ويُمارِسونَ معنا كُلَّ فعالياتِ رمضانَ مِن فرحةٍ بالفانوسِ.. بل ويُعَيِّدون معنا بملابسَ جديدةٍ.

واقعةٌ كلَّما تذكرتُها أضحكُ كثيرًا.. فلا أنسَى تلكَ الأسرةَ المسيحيةَ في الجوارِ، بناتُها جميعًا على أسماءِ الزهورِ، وكُنَّ يُسَجِّلْنَ أسماءَهُنَّ لدَى المسحراتي مثلَ كُلِّ الأطفالِ، ونُعَيِّدُ جميعًا معا.

وللمسحراتي، بطلِ هذه الطُّرْفَةِ، حضورٌ مهمٌّ في أيامِ العيدِ؛ حيثُ يمرُّ مع مجموعةٍ من مُساعِديهِ يدفعونَ عربةً يجُـرُّها حصانٌ لجمعِ العيديةِ مِن كعكٍ وخِلافِه، ويمرّونَ بكلِّ بَيْتٍ. فلمّا طرقَ المسحراتيُّ بيتَ جاراتي المسيحياتِ، وطلبَ كعكعًا وعيديةٍ، قالَ له والِدُ صديقاتي: نحن مسيحيون. لم يستوعِـبْ المسحراتي ما سَمِعَ، وظنَّ أنَّ الرجلَ يتهرَّبُ مِنَ دفعِ العيدية، فقالَ: “يا رَجُل، أُسَحِّرُكُم طولَ الشهرِ.. فهل تُغَيِّرُ دينَكَ مِن أجلِ خمسةِ قروش”.

أيامٌ كانتْ حقًّا جميلةً وغاليةً في وَقْتِها.. لا، ولن تعود. فلِكُلِّ وقتٍ جمالُه.

تغيَّرَت طقوسُ رمضانَ كثيرًا، وتغيَّر الناسُ أكثرَ.. أحمَدُ اللهَ أنَّ تلكَ الذكرياتِ الطيبةَ تُشبعُني وتُدْفِئُ قلبي.. ولا تطغَى على سعادتي وامتناني لنِعَمِ اللهِ وفضلِه في رمضانَ مِن كُلِّ عامٍ.

ary
ar ary