فاطمة الفهرية

الرحمة المهداة | مشروع حفظ القرآن الكريم

رائداتٌ مُلْهِماتٌ- بقلم زينب مصطفى

فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ الْفِهْرِيِّ مُؤَسِّسَةُ جامِعَةِ الْقَرَوِيّين

لَمْ تَدْرِ فاطِمَةُ، الْطِفْلَةُ الصَّغيرَةُ، أيَّ خُطىً مُضيئَةٍ تَخْطو نَحْوَها، وأيَّ تاريخٍ خالِدٍ سُتَكْتَبُ في صَفَحاتِهِ بِعَمَلِها السَّبَّاقِ، ما يَجْعَلُها حاضِرَةً في ضَميرِ الذّاكِرَةِ رَغْمَ مُضِيِّ الْقُرونِ.

هاجَرَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ الْفِهْرِيِّ، بِصُحْبَةِ أهْلِها وَهِيَ فَتاةٌ صَغيرَةٌ مِنْ مَدينَةِ الْقَيْرَوانِ (بتونس)، إلى مَدينَةِ فاسٍ في الْمَغْرِبِ الأقْصَى، وَنَزَلَ الْوَفْدُ الْمُهاجِرُ في جِوارِ مَسْجِدِ الْقَرَوِيّين، وفي الْحَيِّ الْمُسَمَّى بِاسْمِهِمْ حَيْثُ دَرَجَتْ، مِنَ الطُّفولَةِ لِلصَّبا، تَرْفُلُ في نِعْمَةٍ وافِرَةٍ وَثَراءٍ حَقَّقَتْهُ الأُسْرَةُ بِعَمَلٍ وَاجْتِهادٍ. ثُمَّ تَزَوَّجَتْ وَعاشَتْ في كَنَفِ زَوْجٍ صالِحٍ كَريمٍ لِتَتِمُّ لها النِّعْمَةُ.

وَرَثَتْ فاطِمَةُ وَشَقيقَتُها مَرْيَمُ مالاً وَفيرًا بَعْدَ وَفاةِ والِدِها وَزَوْجِها وَشَقيقٍ لها، فاجْتَهَدَتْ فاطِمَةُ في التَّفْكيرِ في أنْسَبِ السُّبُلِ لإنْفاقِ ذَلِكَ الْمالِ الْوَفيرِ، وَكانَ اخْتِيارُها لإنْفاقِ ما وَرِثَتْ مِنْ مالٍ كاشِفًا عَنْ عُمْقِ ما تَمَتَّعَتْ بِهِ مِنْ فَهْمٍ لِرِسالَتِها كإنْسانٍ. وَكَأنَّ فَهْمَها لِما تَتْلو مِنْ آياتٍ الْقُرْآنِ يَرْقَى مِنَ التِّلاوَةِ بِاللِّسانِ إلى الاهْتِمامِ بِالْفِكْرِ وَالْوِجْدانِ وَمِنْ ثَمَّ إلى عَمَلٍ مُمَيَّزٍ يَتَعَدَّى خَيْرُهُ إلى أجِيالٍ. فَكانَتْ “اقْــرَأْ” زادَها الدّافِعَ لِلْعَمَلِ وَالْعَطاءِ.

اخْتارَتْ فاطِمَةُ مَسْجِدَ الْقَرَوِيّينَ الصَّغيرَ في مَساحَتِهِ، لِتَوْسِعَتِهِ وَإعادَةِ بِنائِهِ، فَاشْتَرَتْ الْحُقولِ الْمُجاوِرَةِ لِلْمَسْجِدِ وَبَذَلَتْ في ذَلِكَ أمْوالاً وَفيرَةً. وَمِنْ بَيْنِ ما ذَكَرَتْهُ الْمَراجِعُ التّاريخِيَّةُ، أنَّها عَزَمَتْ على ألا تَسْتَخْدِمَ أيَّةَ مَوادٍ لِلْبِناءِ إلا مِنَ الأرْضِ التي اشْتَرَتْها بِمالِها، وَأرْشَدَتْ عُمّالَ الْبِناءِ أنْ يَحْفِروا في أعْماقِ الأرْضِ لِيَسْتَخْرِجوا مِنْها الْجَصَّ وَالرِّمالَ وَالأحْجارَ الْمُسْتَخْدَمَةَ في الْبِناءِ، وَكَأنَّ فاطِمَةَ مُلْهِمَتُنا بِحَقٍّ، فَقَدْ حَذَقَتْ فُنونَ الْبِناءِ وَخِبْراتِهِ فَجَمَعَتْ بَيْنَ باقاتٍ مِنَ الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ.

وَتُضيءُ فاطِمَةُ مَعْنىً هامًا في فَنِّ الإدارَةِ وَصِدْقِها، فَلَمْ تَشَأْ أنْ تَبْنيَ مَسْجِدًا جَديدًا يَحْمِلُ اسْمَها، فَالْغايَةُ أبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، وَإنَّما عَمَدَتْ إلى مَسْجِدِ الْقَرَوِيّينَ الْمَوْجودِ فِعْلاً والذي يَضْرِبُ بِجُذورِهِ في أعْماقِ التّاريخِ، لِتُطَوِّرَ مَبْناهُ وَتُثْريَ إشْعاعَهُ فَتُعْطي الْقُدْوَةَ في إيثارِ الاهْتِمامِ بِالصّالِحِ الْعامِ وَتَقْديمِهِ على مَصالِحِ الذّاتِ الْمَحْدودَةِ، وَالاسْتِفادَةِ مِنَ الْمُتاحِ مِنَ الإمْكاناتِ وَتَطْويرِها إلى أعْلَى سُقُفِها.

وَمازالَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ الْفِهْرِيِّ تُلْهِمُنا وَتُعَلِّمُنا التَّجَرُّدَ وَالإخْلاصَ في الْعَمَلِ، ثَمَرَةً وَزَهْرَةً فَوّاحَةَ الْعَبيرِ لِصِدْقِ الْعِبادَةِ وَالْفَهْمِ لِكِتابِ اللهِ تَعالَى.

نَذَرَتْ فاطِمَةُ للهِ صَوْمًا حتى يَتِمَّ بِناءُ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ تَمَّ بِناؤُهُ في أَوَّلِ رَمَضانَ سَنَة 245 هِجْرِيَّةً – 859 ميلادِيَّةً، فَكانَتْ أَوَّلُ صَلاةٍ فيهِ هِيَ صَلاةُ الشُّكْرِ أدَّتْها فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ الْفِهْرِيِّ – الْمُلَقَّبَةُ بِأُمِّ الْبَنينَ – لإتْمامِ رِسالَتِها بِاكْتِمالِ الْبِناءِ، الذي جاءَ على أبْهَى وَأجْمَلَ ما يَكونُ، فَقَدْ اشْتَمَلَ على سَبْعَةَ عَشَرَ بابًا وَهُوَ يُشْبِهُ إلى حَدٍ بَعيدٍ بَهْوَ الأسودِ بِقَصْرِ الْحَمْراء في غِرْناطَة بالأندلس.

لَمْ يَكُنِ اكْتِمالُ الْبِناءِ هُوَ الْغايَةُ الْوَحيدَةُ لِفاطِمَةَ، بَلْ كانَ هَمُّها أنْ يُشِعَّ الْمَسْجِدُ حَياةً وَيُحَقِّقُ رِسالَتَهُ في صِياغَةِ الإنْسانِ الْمُسْلِمِ الرّاقي في إيمانِهِ وَعِلْمِهِ.

فاضَتْ جَنَباتُ الْمَسْجِدِ بِنورِ الْعُلومِ التي دُرِّسَتْ فيهِ، فَقَدْ دَرَسَ بِهِ الطُّلابُ عُلومَ الطِّبِّ وَالْكيمِياءِ وَالْحِسابِ وَالرِّياضِيّاتِ، فَضْلاً عَنِ الْعُلومِ الدّينِيَّةِ وَعُلومِ اللُّغَةِ وَالتّاريخِ وَالْجُغْرافِيا، فَحَقَّ أنْ يَكونَ بِحَقٍّ جامِعَةً، بَلْ أقْدَمَ جامِعَةٍ في الْعالَمِ حَسْبَ تَقْريرِ الْيونِسْكو وَمَوْسوعَةِ جينيسَ لِلأرْقامِ الْقِياسِيَّةِ.

اسْتَحَقَّ جامِعُ الْقَرَوِيّين أنْ يَكونَ جامِعَةً بِالْمَعْنَى الْمُتَعارَفِ عَلَيْهِ الآنَ، فَقَدْ اتَّخَذَتِ الدِّراسَةُ فيهِ شَكلاً نِظامِيًّا، كما وَضَعَتِ الْجامِعَةُ شُروطًا خاصَةً لِلالْتِحاقِ بِالدِّراسَةِ فيها. وَلَعَلَّ أهَمَّ ما مَيَّزَ جامِعَةَ الْقَرَوِيّين هُوَ النِّظامُ الإدارِيُّ، فَكانَتْ رِئاسَةُ الْجامِعَةِ تُسْنَدُ إلى قاضي مَدينَةِ فاس وَهُوَ الذي يُسْنِدُ الأساتِذَةَ لِلْكَراسي الْعِلْمِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ. يَلي هَذِهِ الْوَظيفَةَ وَظيفَةُ الْقَيِّمِ، وَهِيَ تُقابِلُ وَظيفَةَ رَئيسِ الْقِسْمِ، يَليها وَظيفَةُ قَيِّمِ الْكُتُبِ، فَكانَ هُناكَ قَيِّمٌ لِكُلِّ عِلْمٍ مِنَ الْعُلومِ التي تُدَرَّسُ في الْجامِعَةِ.

كانَتْ مُدَّةُ الدِّراسَةِ في جامِعَةِ الْقَرَوِيّين تَسْتَغْرِقُ بَيْنَ خَمْسِ سَنَواتٍ وَخَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةٍ. وَقَدْ تَخَرَّجَ في هَذِهِ الْجامِعَةِ الْعَديدُ مِنَ الْعُلَماءِ وَمِنْهُمُ ابْنُ خَلْدون الْمُؤَرِّخُ وَمَؤَسِّسُ عِلْمِ الاجْتِماعِ، وَالشّاعِرُ لِسانُ الدّينِ الْخَطيبُ. أمّا ما يُدْهِشُ حَقًّا فَهُوَ أنَّ سيلفستر الثّاني (جيربيرت دورياك) الذي شَغَلَ مَنْصِبَ بابا روما في الْفَتْرَةِ مِنْ 999 -1003 ميلادِيِّةً، كانَ أَحَدَ مَنْ تَخَرَّجوا مِنْ هَذِهِ الْجامِعَةِ، وَيُنْسَبُ إلَيْهِ أنَّهُ أدْخَلَ بَعْدَ رُجوعِهِ إلى أوروبّا رَسْمَ الأرْقامِ الْعَرَبِيَّةِ التي تُكْتَبُ بِها الأرْقامُ اللاتينِيَّةُ الْيَوْمَ.

اسْتَحَقَّتْ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ الْفِهْرِيِّ أنْ تَكونَ رائِدَةً مِنْ رُوّادِ التَّنْويرِ في وَقْتٍ كانَتْ أوروبّا فيهِ تَغيبُ وَراءَ حُجُبِ التَّخَلُّفِ وَالظُّلُماتِ فَصَدَقَ فيها قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلْدون: “فَكَأَنَّما نَبَّهَتْ عَزائِمَ الْمُلوكِ بَعْدَها“.

لَمْ تُنَبِّهْ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ الْفِهْرِيِّ عَزائِمَ الْمُلوكِ فَحَسْب، بَلْ سَرَتْ دَفَقاتُ هِمَّتِها إلى أُخْتِها مِرْيَمَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ الْفِهْرِيِّ فَأَسَّسَتْ مَسْجِدَ الأنْدَلُسِ في جِوارِ جامِعَةِ الْقَرَوِيّين. وَسادَ مُناخٌ مِنَ الاهْتِماماتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ بَيْنَ أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أهْلِ فاس، فَانْتَشَرَ تَأْسيسُ الْمَدارِسِ وَالْكَتاتيبِ في الأنْحاءِ الْمُجاوِرَةِ لِلْجامِعَةِ حتى صارَتْ مَدينَةُ فاسٍ مَنارَةً لِلْعِلْمِ وَالثَّقافَةِ. وَقَدْ حَرَصَ الْحُكّامُ الأدارِسَةُ وَمَنْ تَلاهُمْ مِنْ حُكّامٍ، حَرَصوا على إعْمارِ وَتَنْمِيَّةِ جامِعَةِ الْقَرَوِيّين بَعْدَ أنْ نَبَّهَتْ عَزائِمَهُمْ الرّائِدَةُ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ الْفِهْرِيِّ.

تُوُفِيَّتْ فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ الْفِهْرِيِّ في عامِ 266 هِجْرِيَّةً – 880 ميلادِيَّةً وَقَدْ وَضَعَتْ بَصْمَةً حَضارِيَّةً جَميلَةً سَتَظَلُّ تُضيءُ لِلإنْسانِ في رِحْلَةِ حَياتِهِ.

وَما زالَتْ فاطِمَةُ تُبْهِرُني وَتُلْهِمُني بِفَهْمِها وَمُبادَرتِها وَحُسْنِ تِلاوَتِها الْعَمَلِيَّةِ لِما يَتْلوهُ لِسانُها مِنَ الْكِتابِ الْكَريمِ، فَتَظَلُّ “اقْرَأْ” هِيَ الإلْهامُ الْحَقيقِيُّ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهيدٌ.

ary
ar ary