مُعلمةُ التابعين، أمُّ الدرداءِ الصغـرى

الرحمة المهداة | مشروع حفظ القرآن الكريم

بقلم. زينب مصطفى

جميلةٌ هي وكثيرةٌ تلك المعاني التي نستلهمُها اليومَ من مُعايَشَةِ سيرةَ عالمةٍ جليلةٍ تركتْ بصماتٍ مُضيئةً في صفحةِ الزمنِ، فمن هي؟

هي التابعيةُ هُجَـيْـمَةُ بنتُ حُيَيٍّ الأَوْصابِـيَّةُ نسبة إلى قبيلة أوصاب وهي أعز قبائل حمير باليمن، وكُنْـيَـتُها أمُّ الدَّرْداءِ الصغرى، اكتسبتْ كُنيتَها بعد زواجِها منَ الصحابيِّ الأنصاريِّ أبي الدرداءِ، عُـوَيْـمِر بنِ عامرٍ، وذلك بعد وفاةِ زوجِه الأولى الصحابيةِ أمُّ الدرداءِ الكبرى.

نشأتْ أمُّ الدرداء الصغرى في بيئةٍ علميةٍ راقيةٍ حيثُ كانت يتيمةً في حِـجْـرِ أبي الدرداء، وكانتْ تَخْـتَـلِـفُ (تذهبُ) معهُ إلى المسجدِ وهي طفلةٌ تجلسُ في حلقاتِ القُـرّاءِ ثم تزوجَها بعد ذلك فاسْـتَـقَـتْ العلمَ منه، صاغتْ هذه البيئةُ العلميةُ روحَها وفكرَها، وأثمرتْ سلوكًا مُهْـتَـدِيًّا راشدًا.

جاءَ في تاريخِ ابنِ عساكرَ: أمُّ الدرداءِ الصغرى عالمةٌ واسعةُ الاطلاعِ، وفقيهةٌ كبيرةٌ وافرةُ العقلِ والذكاءِ، عابدةٌ وزاهدةٌ تقيةٌ. رَوَتْ مِنَ الأحاديثِ الشريفةِ عن أمِّ المؤمنين عائشةَ، وأبي الدرداءِ، وأبي هُريرةَ، رضيَ اللهُ عنِ الجميعِ.

كما ذكرَ ابنُ كثيرٍ في البداية والنهاية: “كانتْ أمُّ الدرداءِ عالمةً فقيهةً، وكان الرجالُ يقرأونَ عليها، ويتفقَّهون في مجلسِها في جامعِ دِمَـشْقَ الأُمَـوِيِّ، وكان الخليفةُ عبدُ المَلِكِ بنُ مَرَوانَ يجلسُ في حلقتِها وهو خليفةُ المسلمينَ”.

كرَّسَتْ أمُّ الدرداءِ حياتَها لنشرِ العلمِ وتعليمِ الناسِ، فاتَّخَذَتْ المجالسَ التي كانتْ بمثابةِ مدارسَ يأوي إليها الرجالُ والنساءُ، سواءً بسواءٍ، لطلبِ العلمِ. وأقبلَ جمعٌ من التابعين يتـلقَّون علومَ الفقهِ والحديثِ عنها ويستضيئون بفهمِها العالي لعميقِ المعاني.

جمعت رائدتُنا مع العلمِ العملَ الدائبَ، فلم تتوقفْ يومًا عن أداءِ رسالتِها، وقالَ ابنُ حِبّانَ: “كانتْ تُمضي ستةَ أشهرٍ في دمشقَ وأخرى في القدسِ تُعَلِّمُ الناسَ”. يقولُ أحدُ طلابِ عِلْمِها عَوْنٌ بنُ عبدِ اللهِ: “كنا نجلسُ إلى أمِّ الدرداءِ فنذكرَ عندها اللهَ تعالى، فقلنا لها مرةً: “لعلنا أمْلَـلْـناكِ”؟ أي أثقلنا عليك حتى أصابَك المللُ”، فأجابتْ: “لقد طلبتُ العبادةَ في كلِّ شيءٍ فما أصبتُ أشفى لنفسي، أي أكثرَ إشباعًا لنفسي، من مجالسَ العلماءِ ومُذاكَـرَتِهِم”.

وتُعلمنا أمُّ الدرداءِ بإجابتِها المُشرِقةِ هذه اتساعَ معنى الذِّكْرِ وتعددَ أدواتِ التسبيحِ ووسائلَ العبادةِ.

إن أكثرَ ما أبهرني في عطاءِ أمِّ الدرداءِ هو العقليةُ المعرفيةُ الواسعةُ التي ظهرتْ في إجابتِها على سؤالٍ طرحَهُ أحدُ طلابِ علمِها، فقالَ: “ما هو أفضلُ العلمِ”؟ فجاءتْ إجابتُها الناصعةُ: “أفضلُ العلمِ.. المعرفةُ”.

وكأنَّ أمَّ الدرداءِ بإطلاقِها المعرفةَ، دون أن تَحُدَّها بالعلومِ الشرعيةِ فقط، تُـريدُ أن تُؤَكِّـدَ على معانٍ مهمةٍ، منها أنَّ الإنسانَ في رحلةِ حياتِه يحتاجُ إلى علومٍ ومعارفَ وتجاربَ مختلفةٍ تصقلُ روحَهُ، وتَـنَمّي مداركَهُ، وتُعينُه على تحقيقِ رسالته فى الشهودِ على العالمين، وأنَّهُ من قبيلِ العبادةِ والتسبيحِ فقهُ لُغَةَ العصرِ وحذقِ علومَهُ.

وتأبى منظومةُ العلمِ إلا أن تكونَ متكاملةٌ، فصاحبُ العلمِ عزيزٌ، شديدُ الانتصارِ للحقِّ، فلا تقبُل رائدتُنا من الخليفةِ عبدِ الملكِ بنِ مروانَ، أن يلعنَ خادمَهُ، وتَعِظُهُ قائلةً: “سمعتُ أبا الدرداءِ يقولُ: “قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: “لا يكونُ اللاعِنونَ شُفَـعاءَ ولا شهداءَ يومَ القيامةِ”.

إن أعظمَ ثِمارِ العلمِ أن يُـتَـوَّجَ صاحبُه بِخُلُـقٍ عالٍ رفيعٍ، وهكذا كانتْ أمُّ الدرداءِ الصغرى، فحين ينقلُ إليها بعضُ طلابِ علمِها أن رجلاً يذكرُها بسوءٍ، تردُّ بتواضعِ العلماءِ، فتقولُ: “ندين بما فينا، فطالَما زُكّينا بما ليس فينا”.

فهي لا ترى بأسًا في أن تُـنْسَبَ إليها المثالِبُ، وإن ظلمًا.. فكم مدحَها الناسُ بأكثرَ مما فيها من محاسنَ. ردٌّ لا يُعَبِّرُ عن استعلاءٍ بالعلمِ والمكانةِ، ويُظْهِرُ أثرَ العبادةِ والعلمِ في صفاءِ الخُلُقِ واستقامةِ السلوكِ.

جميلةٌ هي المعاني التي تزخرُ بها سيرةُ رائدَتِنا، من اهتمامٍ بالعلمِ والعملِ؛ فيُثْمِرا سلوكًا راقيًا وخُلُقًا رفيعًا، هي طَوْقُ النجاةِ الذي نحتاجُه على مَرِّ الأجيالِ.

ary
ar ary